ما يتوقف عليه المعرِّف
المفهوم والمعنى شيءٌ واحد، إلا أن الأول باعتبار ما يُفهم من الكلمة / اللفظ، والثاني باعتبار ما يُقصد من الكلمة / اللفظ. ويُقسَّم المفهوم إلا جزئي وكلي.
فالجزئي
هو الذي يمنع نفس تصوُّره عن وقوع الشِركة فيه. مفهومه وجودي، أي أن يكون هناك مانعٌ يمنعُ العقلَ عن وقوع الشِركة فيه.
والكليُّ
ما لا يمنع، مفهومه عدمي.
في معرفة الكلي والجزئي لا يهمُّ النظر في الخارج، بمعنى أن كون الشيء كليًا أو جزئيًا إنما هو باعتبار مفهومه لا بالنظر إلى الخارج، ولا يهمُّ عدد أفرادهما في الخارج، وقد لا يكون له فرد، أو لا يمكن أن يكون. ولا يهمنا أن نعرف كيف أُخذ المفهوم، فإن أخذناه على وجه مانعٍ عن الشِركة فهو الجزئي، ومدار المنع أي كيف يمنعُ العقل تكثُّره…
قيل: مدار الجزئية على الهاذية 👈🏻، أي أن العقل أخذه من مادة معينة..
تنبيه
التقسيم هنا للمفهوم لا للفظ، فلا أحد مثلا يقول: زيدٌ كثير، ليس المراد هذا، المُقَسَّم هو المفهوم والمعنى والمقصود، فنحن حين نقول: زيدٌ، فنعني به هذا الشخص 👈🏻 المُشار إليه، فهذا الشخص كونه مأخوذًا من خارج، أي تعني شيئًا معينًا في خارج الذهن، تعني بزيدٍ هذا الشيء، فهذا الشيء إذا كان هكذا فهو مانعٌ، ليس لفظَ زيدٍ، بل هذا الشخص المُتعينُ في الخارج لا يمكن أن يكون اثنان منه في الخارج، لأنه في حال افترضنا شخصًا مطابقًا له في جميع الصفات فهو مثله، ليس هو هو، وإن كثَّرناه فأمثالهُ وليس هو هو. فيستحيلُ أن يكون متعددٍ، فالعقل بمُجرد تصوره يمنع تكثُّره.
مدار منع العقل هو أخذه من مادة معينة في الخارج.
فالأصلُ هو الجزئي، أي أن نعرف الجزئي، وأن نعرف أن المنعَ عن التكثُّر إنما يأتي من تحقق ذلك الشيء في الخارج، أي أخذه من الخارج لا مجرد ملاحظة الذهن، مجرد ملاحظة دون تعيين / تحقُّق ذلك الشيء خارج الذهن لا يمنع تعدده وتكثُّره حتى وإن كثُرت أوصافه بحيث لا يصدُق إلا على واحد، فليسَ المدارَ هنا، لأنه دام أن المفهوم دائرٌ في الذهن دون تحقق خارج الإدراك، فهو كليٌ، سواءً كان في الخارج موجودًا أو غير موجودٍ أو لا يمكن أن يوجد فلا يهم.
المفهوم إنما يكون جزئيًا إذا كان مأخوذًا من مادة مخصوصةٍ في الخارج، كقولنا: هذا الشيءَ 👈🏻 عند الإشارة نحو موجودٍ متحققٍ في الخارج، وإلا فهو كليٌ. المعنيُّ هنا والمهمُّ هو المعنى لا اللفظ.
مثل مفهوم الواجب إن عَنينا به ذات الله سبحانه وتعالى، فهو مفهوم جزئي، ولكن إن عَنينا به الموجودَ الذي وجوده واجبٌ دون ملاحظة ذات البارئ سبحانه وتعالى -نعم هو واحدٌ ،لا يمكن تحققه وصدقه إلا على ذات واحدة- سيكن المفهوم كليًا، ولكن إن عَنينا به ذاته سبحانه وتعالى فهو جزئي. أي باعتبار الملاحظة والتحقق / التعيين في الخارج.
المنطقي لا يبحث عن الجزئي، يهمُّه الكلي وحسب، وكلاهما من صفات المعنى لا اللفظ، وإن أُطلق على اللفظ أنه كليٌ أو جزئيٌ فهو من المجازِ أو من إطلاق وصف المدلول على الدال. وكما ذُكر آنفا أن المنطقي يمهه أمرانِ اثنان: التعريف والحجة، بتعبير آخر: المعلومات في سبيل إيصالها إلى المجهول، المعلوم المُوصِلُ كيف يُوصل، كيفيةَ إيصال المعلوم للمجهول هذا الذي يهمُّه، فـالجزئي لا يفيده ولا يوصله إلى شيء، فـالجزئي نأخذه من الحسِّ ولا نصل إليه بالفكر، وليس هو سبيلًا للوصول إلى شيء آخر، هذا ما يَعنون به أن الجزئي لا يكون كاسِبًا ولا مُكتسَبًا، أي أنَّا نُدركه بغير الفكر، وأيضا، الجزئي ليس سبيلا للوصول إلى جزئي أو كلي آخر، لأن الأمر المُوصِل في الحقيقة دائمًا هو أمرٌ كليٌ يَصدُق على أكثر من واحد. مثاله: العالم متغير، وكل متغير حادث، فالعالم حادث. الموصل هنا هو مفهوم المتغير، هو الموصل إلى العلمِ بحدوث العالم، فعند النظر إلى شيء يجمع بينهما -أي بين العالم والحادث- يصدُق عليهما يجتمع معهما، إذا هو مفهوم يجتمع مع غير واحد.فالمتغيُّر مفهومٌ كليٌّ، يصدُق على أكثر من واحد، فإن كان جزئيٌا فلا يمكن أن يصدق على أكثر من واحد، ولا يمكن أن يفيدنا في تعدية الحكم، ولا يمكن أن يَصِل بين أمرين، رابطةٍ بينهما، فهذه الواسطة يجب أن تكون مُتحققةً في أكثر من واحد. والحد الأوسط في المثال السابق هو الواسطة/المتغير، صار واسطة لثبوت الحدوثِ للعالم. مفهوم العالم إن أُخذ باعتبار هذا العالم -أي عالمنا- فهو جزئيٌ ولا يهمنا وليسَ الموصل، إنما المتغير هو الموصل.
تنبيه
المعلوم التصديقي للقضيتين: العالم متغير، وكل متغير حادث هما الموصلان لـ العالم حادث، فالقضية لا يمكن أن تكون جزئية أو كلية -أي لا أفراد لها في الخارج كما المفهوم الكلي، وباعتبار الموضوع تكون- ولكن عند النظر من جهة
المفهومالمُوصِل والمجتمعِ في غير واحد لا المعلوم التصديقي للقضيتين، هو مفهوم كلي / واسطة = المتغير.
يذكرُ المناطقة أقسامًا للكلي ألهُ أفرادٌ أو ليسَ له أفراد، وإن كان له فرد، أفرادٌ كُثر أم واحدٌ مع امتناع الغير أو إمكانه.. وهذه المباحث لا يُتعرض لها كثيرا.
فمدار الكلية هو ليس على وجود الأفراد، مدار الكلية هو على أن لا يمنع العقل صِدقه على كثيرين. بتعبير آخر: يُجوِّز العقل صدقه على كثيرين، فتجويز الصدق على كثيرين ليس صدقًا على كثيرين.
الذي يهمنا هو الكلي الذي له أفراد، لأنه يوصلنا إلى أشياء، الكلي الذي لا يمكن أن يكون له فرد يقال له الكلي الفرضي. قد يقال أحيانًا الفرض بدل التجويز والمراد هنا ومن الفرض التجويز، ومعنى الفرض مجرد الملاحظة، فمجرد الملاحظة غير مستحيلة، مجرد ملاحظة صدق الجزئي على كثيرين ليس ممتنعًا، إنما تجويز صدقه على كثيرين هو الممتنع. معنى مجرد الملاحظة: كأن نقول هل يمكن أن يكون زيد صادقًا على كثيرين؟ -ليس المراد من زيد مجرد اللفظ، بل هذا المتعين 👈🏻 المشار إليه يكون متكثرا- فإن قلنا لا يمكن، فكيف نفينا صدقه على كثيرين؟ بمجرد ملاحظة صِدقه على كثيرين.
قيل: أنه لا حَجرَ في التصور.
كأن نقول مثلا الأربعة الفرديةُ واستحالة وجودها عَقب تصورنا، فما كنا لنستبعد وجودها دون مجرد الملاحظة. فعند قولنا يمنع العقل فرضه على كثيرين أو لا يمنع، ليس المراد من الفرض هو مجرد الملاحظة، لأن مجرد ملاحظة /تصور أي شيء غير مستحيلة. إذا قلنا في تعريف الجزئي لا يمكن فرض صدقه على كثيرين فنعني به تجويز صدقه على كثيرين، فالعقل لا يصحح هذا، يستحيل تجويزه، يتصوره ولكن لا يجوز. فالفرض إنما يطلق على مجرد الملاحظة، والتجويز هو التصديق عليه، فلا يمكن أن يكون الشيء شيئًا ويستحيلُ تصوره. المُحالات يمكن تصورها مع منع فرضها / تجويزها، نعم محالٌ تصورها كما هي، مثل تصورنا لكرسيٍ موجود وغير موجود في الآن ذاته، فهنا محالٌ تصور الحالتين بوجودٍ واحد، إنما نتصوره في الحالتين بشكلٍ منفصل ونجمع بين الصورتين ونحكُمُ بالاستحالة. فتصور كنْه ذاتِ المُحال متعذر، إنما نستعين بأمور لنتصوره. المراد من التصور: التصور بأي وجه كان. مع ملاحظة أن التصور بوجه خاص غير ممكن كحقيقة الباري سبحانه وتعالى.

النسب بين الكليِّين باعتبار الصدق
يذكر بعض المناطقة النِسب بين الكليين قبل مباحث الكليَّات الخمس أو بعده، فصحاب الشَّمْسِيَّة ذكره بعد مباحث الكليَّات الخمس، وصاحب التَّهذِيب قدَّم النِسب بين الكليَّات، لأننا نحتاج إلى الأعم والأخص في الكليَّات الخمس، وليست مُختصة بواحد منها أي أنها مطلق الكلي، أي ليس فرض النسب بين الكليين -وهي النسبُ الأربعة- تصورها موقوفًا على شيء من الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام، لأجل هذا العلامة التفتازاني قال نقدمه على الكليَّات الخمس. والنسبة الأربعة هي: التساوي، والتباين، والعموم المطلق، والعموم الوجهي.
قد نقول هنا أنه أعم باعتبار
الصدق على شيء.
التساوي
هو أن يصدُق مفهومان على الأشياءِ نفسها، أي أن أفرادَ الكلي الأول يصدق عليهم الكلي الثاني، مثل مفهومي: الإنسان والناطق. لاحظ هنا أن مفهوم البشر مُرادف للإنسان فلا يهمُّنا، لأن كلامنا في المعنى لا اللفظ، تعدد الألفاظ مع اتحاد المعنى لا يهم. فهنا في هذا المثال أي شيءٍ يصدق عليه الناطق يصدق عليه الإنسان والعكس. ففي حال البرهنة على التساوي بين شيئين، يجب أن نأتِيَ بقضيتينِ مُوجبتين كليتين: كل إنسانٍ ناطقٌ وكل ناطقٍ إنسان، فإذا كانت هاتان القضيتان صادقتينِ فإذا بينهما تساوٍ.
التباين
هو أن المفهومان لا يصدُق كليهما علي شيء مما يصدق عليه الآخر، أي الكلي الأول لا يصدق على شيء مما يصدق عليه الكلي الآخر، والعكس كذلك. فلا تصادُق بينهما أصلا.كالإنسان والحجر، نقول مثلا أن الإنسان «لا يصدُق على شيء» من أفراد الحجر، ولا نقول الإنسان «لا يصدُق على الحجر». فالتعبير الثاني ليس بدقيقٍ، إنما الإنسان «لا يصدق على ما يصدق عليه الحجر»، وإن أردنا الاختصار، الإنسان «لا يصدق على شيء» من أفراد الحجر، والحجر «لا يصدق على شيء» من أفراد الإنسان. ففي حال البرهنة على التباين بين المفهومين، يجب أن نأتيَ بـ سالبتيْنِ كليتين، نضع أحدهما موضوعًا والآخرَ محمولًا والعكس: «لا شيء من الإنسان بحجر» و«لاشيء من الحجر بإنسان.»
العموم المطلق
هو أن أحد الكليين يصدُق على كل ما يصدق عليه الآخر، والآخر لا يصدق على ما يصدق عليه الآخر. مثل مفهومي: اللون والأبيض، هنا كل ما يصدق عليه الأبيض يصدق عليه اللون، وليس كل ما يصدق عليه اللون يصدق عليه الأبيض. أو كالإنسان والحيوان، فكل ما يصدق عليه الإنسان يصدق عليه الحيوان، وبعض
ما يصدق عليه الحيوان لا يصدق عليه الإنسان مثل الفرس. فعند الاستدلال/ الحجة على أن بين الكليين عمومٌ مطلق سيكون عندنا موجبة كلية، الموضوع هو الأخصُّ والمحمول هو الأعم: كل إنسان حيوان، وسالبة جزئية موضوعها الأعم ومحمولها الأخص: بعض الحيوان ليس بإنسان، أو كل أبيض لون
وبعض اللون ليس بأبيض. فهنا لبيان أن بين المفهومين عموم مطلق سيكون عندنا قضيتين: موجبة كلية وسالبة جزئية، والذي يصدق على اللون والحيوان سنقول له الأعم، وعلى الأبيض والإنسان نقول له الأخص،
أعم مطلقا وأخص مطلقا.
العموم الوجهي
هو أن بين المفهومين تصادق ولكن ليس بكلي، يعني أن الأول يصدق على بعض أفراد الآخر، والآخر يصدُق على
بعض أفراد الأول، مثل الجدار والأبيض. فهناك موضِعُ تصادقٍ بينهما، بمعنى أن بعض أفراد الجدار يصدُق عليه
الأبيض، والعكس. فعند الاستدلال/الحجة على أن بين الكليين عموم وجهي/عموم وخصوص من وجه سيكون
عندنا موجبة جزئية، بعض الجدار أبيض أو بعض الأبيض جدار، و سالبتان جزئيتان، بعض الجدار ليس
بأبيض وبعض الأبيض ليس بجدار.
النِسب باعتبار التحقق/الوجود
النسب منها ما يكون الملحوظُ فيها الصدق، أي الصدق على الشيء، مثل هذان متساويان في الصدق، أو أعم في الصدق أو متباينان في الصدق، ومنها يكون بالتحقق، ويُعبر عنها أيضا بالصدقفي الشيء، والصدق هنا بمعنى التحقق ومطابقة الواقع، وهناك ما يكون بالمفهوم، مثل: هذان متساوان في التحقق، في القضايا مثلا حين نقول القضية الممكنة أعم من القضية المطلقة، القضية المطلقة أعم من القضية الضرورية، أو القضية الجزئية أعم من القضية الكلية، فهنا العموم في التحقق ليس في الصدق -أي لا باعتبار صدقها على شيء- لأنه ليس للقضية أفراد في الخارج حتى تصدق عليهم هذه القضية الكلية، مثل: كل إنسان ماش، فهذه القضية ليس لها أفراد، بل مفهومٌ إما أن يتحقق في الخارج أو لا يتحقق. فالقضية كل إنسان ماش ليس لها أفراد، لذا لا يستقيم أن نقول عنها ما نقوله في النسب بين الكليين: هذا أعم وذاك أخص، لأن المناطقة حين يذكرون النسب بين الكليين يعنون صدق أفرادهما عليهما، والقضية ليس لها فرد يصدق عليها، لذا المراد في القضية تحققها مطابقتها لا صدقها على أفراد. مثلا إذا قلنا: بعض الإنسان ماش، فالمنطقي سيقول أن هذه المُوجِبة الجزئية أعم من الموجبة الكلية التالية: كل إنسان ماش لأنه كل ما تحققت أو طابقت الموجبة الكلية وهي القضية الثانية، ستتحقق القضية الأولى أي الموجبة الجزئية، سيصدق هناك أن نقول: بعض الإنسان ماش بتعبير آخر، تحقق الموجبة الجزئية متعلق بتحقق الموجبة الكلية. لكن العكس ليس بالضرورة أن يتحقق، أي تحقق الموجبة الجزئية يعني يلزم منه تحقق الموجبة الكلية. وهذا ما يقصده بـ النِسب في التحقق.
وهنا أنه أعم باعتبار الصدق في الشيء.
النِسب باعتبار المفهوم
التأليف/التركيب أعمُّ من الترتيب في المفهوم-لم يؤخذ في مفهومه ما أُخذ في الترتيب-.… التركيب هو جعل الأشياء المتعددة بحيث يصدق/يطلق عليها اسم واحد. كالآجُرِّ الداخلِ في البناء/السقف…إلخ، ويصدق على الترتيب كذلك ما قيل عن التركيب ولكن الترتيب يزيد عليه بأنه وضع الأشياء المتعددة على وجه يكون لها اسم واحد، ويكون لبعضها على بعض نسبة بالتقدم والتأخر. فهذه النسبة مأخوذة في الترتيب وغير مأخوذة في التركيب، كل ما صدق التركيب على شيء صدق الترتيب على شيء، وكل ما تحقق التركيب تحقق الترتيب، لكن المأخوذ في الترتيب هو هذا القيد الزائد، وهو ليس مأخوذا في التركيب. الترتيب أخص مفهوما من التركيب لا في الصدق ولا في التحقق، لأن كل فردٍ وُجد للتركيب لا يمكن إلا أن يكون بين أفراده نسبة بجانب بعض، أقدم من الآخر، بعضها فوق بعض…إلخ ففي التركيب غير مأخوذة هذه النسبة وفي الترتيب نأخذها.التأليف/التركيب أعم من الترتيب دون النظر إلي قيد النسبة المأخوذة في الترتيب، فالترتيب والتركيب متساويان في التحقق والصدق. نحن في المفهوم ننظر له باعتبار القيد، كمفهوم الحيوان، فالمأخوذ والمعتبر فيه كونه جسما ناميًا متحركًا بالإرادة، أما كونه ناطقًا أو صاهلًا أو ناهقًا لم يُعتبر ويؤخذ في المفهوم الحيوان، لكن ما إن يتحقق الحيوان في الخارج، عندها لا بد أن تؤخذ إحدى القيود السابقة، أي لازمة التحقق والصدق.
الكُليَّات الخمس
ذاتيٌ
النوع/الماهية ذاتها- الكلي الذاتي هو الذي لا يكون خارجا عن حقيقة أفراده، جزءان لحقيقة الشيء، ذاتيان لحقيقة الشيء: جزء أعم هو الجنس، وجزء مساوٍ هو الفصل.
إفادة
مصطلح الذاتي هنا في
إيساغوجي، هناك مصطلح الذاتي يطلق على مفهوم آخر مثلا في الموضوع عند قولنا في البرهان هذا ذاتي البرهان، فالموضوع هناك ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فالأخير هذا بمفهوم آخر، فالعارض ذاتي البرهان دائما خارج، أما في ذاتيالإيساغوجيدائما داخلٌ.
تنبيه
قالوا كيف يكون النوع ذاتيًا فهو الذات، لأن الياء في الذاتي هي ياء النسبة وهي تقتضي التغاير، والشيء لا يُنسب إلى نفسه؟ كلمة الذاتي ليس المراد منها المعنى اللغوي، مجرد اصطلاح.
-
النوعُ: الكلي المقول على كثيرين متفقين بالحقائق في جواب ما هو.
-
الجنس: الكلي المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق في جواب ما هو. مفهومه:
كلي ذاتي أعم، أي غيرُ مختص بالحقيقة/النوع،يسبقها.
-
الفصل: المقول في جواب أي شيء هو في ذاته.. مفهومه: كلي ذاتي مختص بالنوع، فلا يتحقق في غير ذلك النوع.
لا نأخذ هذه المفاهيم ولا تُشرح اصطلاحيا، إنما يهمنا المفهوم ذاته.
عرضيٌ
العرَض العام/العرضي، عرضي خاصة/خاصة - الكلي العَرَضي هو الذي يكون خارجًا عن حقيقة أفراده.
- عام: المقول على كثيرين مختلفين بالحقائق قولا عرضيا/خارجا…مفهومه:
كلي عرضي خارجي ليس داخل في حقيقة الشيء ولا مختصا بتلك الحقيقة، فيوجد له أفراد في غير تلك الحقيقة. كالماشي بالنسبة إلى الإنسان لأن المشيَ ليس مختصًا بحقيقة الإنسان.
مفارقٌ: الماشي بالفعل للإنسان. يتحقق في غير الإنسان.
لازمٌ: الماشي بالقوة للإنسان.
- خاصة: هو الذي يقال على الشيء في جواب أي شيء هو في عَرَضِه. مفهومه:
كلي عرضي خارجي مختص بتلك الحقيقة كالضاحك مختص بحقيقة الإنسان.
مفارقٌ: الكاتب بالفعل للإنسان. خاص بالإنسان.
- يزول بسرعة: حُمرة الخجل.
- يزول ببطئ: كالشباب.
- لا يزول: العشق، والحركة للأفلاك حسب مذهب الفلاسفة.
لازم: الكاتب بالقوة للإنسان.
الأمثلة المضروبة قد يُناقش في صحتها ومصاديقها، لكن قضية الأمثلة فقط للإيضاح والبيان، ولأجل هذا قالوا: المناقشة في المثال ليس من شأن المُحصِّل. لأن المثال فقط للتمثيل وإيضاح المسألة، المفروض في المثال ليس صحته بل توضيح المُمثَّل له. مثلا، كأن يعترض أحدهم على التمثيل للفصل المُميِّز كالناطق بالإنسان وأنه يوجد في غيره، هنا لا يهم المنطقيَّ أكان الناطق داخل في حقيقة للإنسان أم لا، يكفيه أن يتضح المُمثَّل له، بفرض صحته ودخوله في حقيقته، لا حجر في التمثيل.
المنطقي حين يضرب المثال، يهمه اتضاح المسألة أولًا، ولا بد للمثال من مصاديق لكنه قد يكون متنازعا فيه لا انعدامه، وإدراك حقائق الأشياء ممتنعة كما قال المناطقة: إدراك الحقائق ليس من شأن الإنسان، كحقيقة الإنسان وخلاف الفلاسفة واعتراضاتهم على حدِّه: الحيوان الناطق! في المنطق يهمنا كيف يُوصِل المعلوم إلى المجهول. وليس ضروريا إدراك ماهية الذاتي وحقيقته، نعم لا بد أن يكون للشيء أمر ذاتي، لكن هل بإمكان الإنسان أن يدرك الذاتي وحقيقته فهذا أمرٌ آخر. قد يتعذر إدراكه ولكن لهذه الحقيقة أمر ذاتي به تكون ذاك الشيء. ومعلوم أن ليس كل صفات شيء ما أمورٌ ذاتيةٌ، أي داخلة في حقيقته، لكننا نعلم أنه لا بد أن يكون له مميز فاصل عن الجسمية المشتركةِ مثلا بين القلم والإنسان.
العرضي العام والخاصة، كل واحد منهما إما لازم / لا ينفك أو مفارق / ينفك، فالازم هو الذي لا يفارق، والمفارق هو الذي يفارق. مثلا: الكاتب بالقوة للإنسان هو خاصة لازمة، والكاتب بالفعل هو خاصة مفارقة للإنسان، والماشي بالقوة عرضي عام لازم، والماشي بالفعل عرضي عام مفارق للإنسان.
إفادة
عامة المتأخرين اعتادوا التعبير عن اللازم والمفارق بـ مالا يمكن / يمتنع انفكاكه، ويمكن انفكاكه، وبناء عليها مالا ينفك أصلا ولكن ممكن انفكاكه، ولكن سيكون داخلا في المفارق. لكن رؤساء القوم لم يذهبوا هذا المذهب بل فرقوا بينهم بالانفكاك وعدم الانفكاك، لا بامتناع الانفكاك وإمكان الانفكاك، وستأتينا فيما بعد إشكالات فلسفية حولها ليس هذا المستوى محلها. يُكتفى بأن المفارق هو الذي ينفك، واللازم هو الذي لا ينفك.
الذاتي والعرضي يُعرفان بالنظر إلى الأفراد، وكذلك كما ذكر في النِسب بين الكليين، فالنسبة هناك بالنظر إلى الأفراد لأنها باعتبار الصدق لا التحقق. ليس بالضرورة أن يكون للكلي أفراد، لكن هنا يهمنا الكلي الذي له أفراد، مصاديق. فكون الكلي ذاتيا أو عرضيا يُعرف بالنظر إلى أفراده. وكيف نعرف بالنظر إلى أفراده؟ هذا الكلي مثلا، أيَّ كليٍ كان، لنعرف أذاتي هو أم عرضي، نرجع إلى أفراده / مصاديقه، فإن كان خارجا عن حقيقة أفراده فهو عرضي وإلا فهو ذاتي. فالكلي العرضي هو الذي يكون خارجا عن حقيقة أفراده، والكلي الذاتي هو الذي لا يكون خارجا عن حقيقة أفراده.
تنبيه
قد يقال كما عند الفاضل الفناري وغيره أن الذاتي هو الذي يكون داخلا في حقيقة أفراده، والعرضي هو الذي لا يكون كذلك، على هذا التقدير يكون الذاتي يصدق على الجنس والفصل لأن النوع هو نفس الحقيقة فهو ليس داخلا في حقيقة أفراده، هو الحقيقة نفسها. وعلى اصطلاح آخر والذي مشى عليه عامة المناطقة يكون النوع أيضا ذاتيا، فحين النقول الذاتي فنعني: النوع، والفصل، والجنس، وقد يريدون بالذاتي الفصل والجنس.
الجنس والفصل جزآن للنوع / الماهية، والعرضي العام والخاصة خارجان عن الماهية. الماهية دائما مركبة من جزأين فقط، الجزء الأعم الجنس والجزء المساوي الفصل ولا نقول الأخص. لم لا يكون للماهية جزء أخص؟ يعني أن الماهية تتحقق والجزء لا يتحقق، أو تصدق هناك الماهية ولا يصدق هناك الجزء، فكيف تتحقق الماهية بدون تحقق الجزء؟ لذا الفصل هو المساوي لا أخص. الفصل في الحقيقة يجب أن يكون واحدا لا متعددا، لأن مفهوم الفصل هو المُميز الذاتي يُميزه عن الأغيار، فإذا كان الأول يُميِّزه، فالثاني والثالث إلخ، ليسوا إلا تبعًا للأول. قد يريدون بهذا إخراج بعضهم لبضع، وقد يكون كلها جنسا والأخير هو الفصل، مثلا: الجسم النامي الحساس المتحرك بالإرادة الناطق، مثلا النامي هنا يكون فصلا، ومع ضمِّه للجسم يكون جنسا أي حقيقة واحدة، والحساس فصل يلحقُ بهذا التركيب، والمجموع جنس آخر أي الجسم النامي الحساس، ويلحقُ بهذا المجموع المُتحرِّك بالإرادة فصلا، وأيضا مجموعهم كحقيقة واحدة أي جنسًا، ويكون الناطق فصلًا لهذه المجموعة.
قد تُذكر فصول متعددة، فعند إذ، مثلا يكون الحساس فصلا بعيدا. وعند قولنا أنه لا يمكن أن يكون لماهية واحدة فصول، القصد منه أن لها فصل في مرتبة واحدة، في مرتبة واحدة لا يمكن أن يكون لها فصلان، مُميزان، كأخذنا الحيوان جنسا للإنسان، فهنا لا يمكن أن يكون له فصلان، فصل واحد لأن الحيوان حقيقة مركبة من جنس وفصل: الجسم النامي, الحساس، وجنس الحيوان نفسه حقيقة مركبة من: الجسم، النامي، وجنسه هو الجسم المطلق والنامي فصله، صار عندنا الآن ثلاث فصول: النامي، والحساس، والناطق، الفصل الحقيقي الذي به يمتاز الإنسان عن جميع الأغيار هو الناطق، وقبله هناك ماهية أخرى وهي الحيوان ولها جنس، وباعتبار أن لها جنس لها فصل أيضا وهي الحساس المتحرك بالإرادة. الفصل الأخير -الحساس المتحرك بالإرادة- في المثال السابق في مرحلة واحدة كانا فصلين، كيف ذلك؟ الحساس والمتحرك بالإرادة, والحقيقة أنه ولا واحد منهما فصل، إنما هناك مفهوم -اللفظ لا يهمُّ المنطقي- يكون منشأً للحس وللتحرك بالإرادة، فليس هناك مفهوم بلفظ واحد يعبر عنه، فعبرنا عن ذلك المنشأ الذي هو الفصل بلفظين مختلفين: الحساس، والمتحرك بالإرادة. عند قولنا أن الشيء له فصل واحد يعني أن له جنس وفصل، والجنس نفسه قد يكون له جزء, فهو مركب من فصل وجنس، وجنسه كذلك، أما الفصل فدائمًا غير مركب. وجنس الشيء ممكن أن يكون مركبا، فالجنس له جنس وهذا الجنس له جنس إلخ.. وقد يكون تعدد الفصول في مرتبة واحدة، وكل واحدة منها مميزة عن باقي الأغيار وهكذا، فممكن ضمها جميعا وجعلها فصلًا واحدًا.
حين نسأل بـ ما هو، ماهو الشيء، فنحن نسأل عن حقيقته، فإذا كان المسؤول عنه شيئا واحدا، فنحن نسأل عن حقيقته التي تختص به، فسيكون في الجواب النوع، لأن تمام ما هو ذاتي له مطلوب، هذا مصلح المناطقة، حين نقول: هذا الشيء ما هو؟ فالمطلوب كل ما هو ذاتي له لابد أن يقال، فكل ما هو ذاتي مثلا لزيد في السؤال عنه هو الإنسان. ليس وراء الإنسان حقيقة أخرى، حتى وإن جمعت بكرا وعمرو وزيد من أفراد الإنسان وكان السؤال ما هم فإجابته الإنسان. أما الجنس فلا يمكن أن تسأل عن واحدٍ فيُجاب بالجنس، فلا يصح. فإذا قيل مثلا زيد ما هو وأجيب بـ الحيوان، فهذا ليس بصحيح، لأن جواب السؤال ما هو يعني أن لا يُترك شيءٌ هو ذاتي وراء ذلك، مثل حين نقول الحيوان وتركنا ذاتيا آخر وهو الناطق! لذا، فالجنس لا يكون في جواب شيء واحدٍ. الشيء الواحد إذا كان جزئيًا حقيقيًا فسيُجاب بالنوع، إن كان نوعًا بنفسه فسيجاب بالحدِّ، مثل: الإنسان ما هو؟ الحيوان الناطق، فإذا جمعنا بين أمرين وكل واحد من حقيقة مختلفة، فهنا يكون الجنس. المراد بالحقيقة أي المشتركة بينهما. فالجنس لا يمكن أن يأتي في جواب شيء واحد. والفصل يأتي في جواب أيُّ شيء، فهو الفاصِل والمميِّز للشيء. الجنس له مراتب، فجنس الجنس جنسٌ لذلك الشيء، جنس قريب وجنس بعيد. حين نقول الجنس فباعتبار شيء جنسا، الكليات الخمس كلها اعتبارية، حين نقول هذا فصل أو نوع أو جنس فباعتبار شيءٍ، يمكن أن يكون شيء نوعًا باعتبارٍ وجنسًا باعتبار. فجنس الشيء يصدق عليه وعلى غيره، فإذا أخذنا وضممنا الشيء مع غيره وكان الجواب في سؤال ما هما؟ الحيوان، ونأخذ فردا آخر ونضمه لهما من أفراد الحيوان كالإنسان والفرس، فالجواب لن يختلف: الحيوان، هذا هو الجنس القريب. الجسم النامي مثلا, جنس للإنسان ونضم مع الإنسان حقيقيةً من ما يصدق عليها الجسم النامي، الإنسان والشجر جسم نامي، لأنه تمام المشترك بين الإنسان والشجر، وهذا الجسم النامي يصدق كذلك على الفرس، ولكن الإنسان والفرس الحيوان، هنا يكون الجسم النامي جنسًا بعيدًا، كلما كثُر الجواب بَعُد رتبةً «الأجوبة - 1». ثلاث يبعد مرتبين، أربعة يبعد ثلاث مراتب، جوابان فهو بعيد بمرتبة، لأن الجواب الواحد يعني الجنس القريب. وفصلُ كلٍّ باعتبار ذلك، ففصل الجنس القريب فهو فصل قريب، وفصل الجنس البعيد فصل بعيد. الفصل البعيد كالحسَّاس، فهو فصل للإنسان لكنه بعيد، أي فصل الجنس البعيد، أي يُميِّز الإنسان عن أفراد الجسم النامي، فالحسَّاس ينضم تحت الجنس النامي ونطلق عليه جنسًا واحد يسمى بالحيوان.
ذُكر سابقا أن الجزئي هو الذي يمنع نفس تصوره عن وقوع الشِرْكة فيه، فهذا يقال له الجزئي الحقيقي، وله إطلاقٌ آخر وهو الجزئي الإضافي، وهذا الجزئي الإضافي هو: كل أخص تحت الأعم، فكل شيء فوقه شيء أعم منه يُقال له جزئي باعتبار ذلك الشيء، فالإنسان جزئي باعتبار الحيوان، والحيوان جزئي باعتبار الجسم النامي…إلخ والأعم هذا ليس بالضرورة أن يكون ذاتيا، وليكن أعما غير ذاتيا أي أعما عرضيا، هذا المفهوم الأعم في الجزئي الذي هو أعم، ليس مأخوذا فيه أن يكون ذاتيا. والنوع كذلك، فهناك نوع حقيقي ونوع إضافي، فالنوع الإضافي هو الذي فوقه أعمٌ ذاتي، مثلا: الإنسان نوع حقيقي ونوع إضافي أيضا باعتبار الحيوان لأن فوقه جنس، والجنس هو الأعم الذاتي. الفرق بين النوع الإضافي والجزئي الإضافي هو أنه في الجزئي الإضافي الأعم فيه لا يجب أن يكون ذاتيا، أما في النوع الإضافي فالأعم الذي فوق هذا النوع أو هذا المفهوم الذي نعده نوعاً, هو ذاتيٌ، جنسٌ. الجزئي الإضافي ليس مجازيا، هو جزئي إضافي بالإضافة إلي شيء / غيره صار جزئيًا، و الجزئي الحقيقي بالنظر في حقيقته صار جزئيا، بل عدو الجزئي الإضافي -إذا أطلقنا على أحدهما بالحقيقة والآخر بالمجاز- لكان الجزئي الإضافي أولى بالحقيقة من الجزئي الحقيقي، لماذا؟ ولمَ نسمي الشيء جزئيا؟ ما وجه تسمية المنطقي الجزئي بالجزئي والكلي بالكلي؟ مثلا الكلي سميناه بالكلي نظرا إلى أفراده، مثاله: الحيوان والإنسان، -فالإنسان جزئي بالإضافة إلى الحيوان، والحيوان كلي بالإضافة إلى الإنسان بالحقيقة، ولا يُلتفت إلى هذا في سياقنا- الحيوان كلي، والإنسان جزئي، فالياء في الجزئي هي ياء النسبة، فإنما سمينا الإنسان جزئيا بالإضافة بالنظر إلى الحيوان الذي هو جزء والإنسان هو كلٌّ، لأن الإنسان هو حيوان ناطق، فحينما نسبنا الإنسان إلى الحيوان نسبناه إلى جزئه، وحينما نسبنا الحيوان إلى الإنسان نسبناه إلى كله لأنه بالنظر إلى الحيوان كلٌّ، لأجل هذا سمينا الحيوان كليا لأنه منسوب إلى الكل، وحينما سمينا الإنسان جزئيا نسبناه إلى جزئه لأجل هذا سميناه جزئيا. فوجه التسمية هو باعتبار مفهوم الإضافة. فالجزء هو الذي به يتكون الشيء، واللازم العارض يلحقه، فالفرق بين الناطق والضاحك هو أن الإنسان هو الذي يضحك، وهناك إنسان من دون أن يضحك أي من دون اعتبار الضحك، ولكن لا يمكن أن يكون الإنسان ناطقا، أي هو يكون ناطقا فيكون إنسانا لا أن يكون إنسانا فيكون ناطقا، أي ليس النطق شيئا يعرض الإنسان، هو لا يمكن أن يكون إنسان من غير النطق. المنطقي يقول: أنك إذا أدركت الشيء بذاته تكون مدركا لحقيقته، وإذا أدركت الشيء بعَرَضِه فأنت مدرك لرسمه.